أحد رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي : اصول تصوفه /٣

05/07/2015 محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

أحد رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي : اصول تصوفه /٣
أصول تصوفه : قراءتنا في نصوص التشوف هدتنا إلى استخلاص الأصول التالية:
1- التوحيد:"توحيد الله بالتعظيم، دون أن تجعل معه إلها غيره من متاع الدنيا، فكل ما استولى على الإنسان فهو إلهه" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" (19)
يقول" تنـزهت في أحديتك عن بداية، وتعاظمت في إلهيتك عن نهاية أنت الواحـد لا من عدد، والباقي بعد الأبد، لك خضع من ركع، كما ذل لك من سجد، بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم لولد ولم يكن له كفؤا أحد" (20).
2- التأويل : العبادات مناسك تشتمل على أقوال وأفعال، لكن بالإضافة إلى هذا الجانب التعبدي، فإن أثرها يظهر في مناحي أخرى اجتماعية وغيرها، لهذا كان أبو العباس يتأول الركوع بالمشاطرة، والسلام من الصلاة بالخروج من كل شيء، والزكاة إنما فرضت على المكلف في كل عام ليتدرب على البذل والعطاء، وإلا ففي الأموال حق سوى الزكاة وليس المقصود أن تعطي في وقت مخصوص وتمسك في غيره (21) " فهو هاهنا يجمع بين العقل النظري والممارسة العملية، بين الإيمان والعمل.
3- العدل والإحسان : إن أبا العباس السبتي لا يناقش كالمتكلمين صفة العدل القائمة بالذات الإلهية هل هي عين الذات أم هي زائدة على الذات. بل يتنـزل بهذا المبدأ إلى الأرض ويربطه بالواقع بالإنسان. والعدل والإحسان مما أهم أبا العباس السبتي منذ صباه، فقد سأل عنهما شيخه أبا عبد الله الفخار فأجابه بأنه المشاطرة؛ "وهي أن يكون بينك وبين إنسان مال فتقسمه على السواء فذاك هو العدل، فإن أحسنت إليه من شطرك فذلك هو العـدل والإحسان (22) الذي أمر الله به".ولازال يراجع هذا المبدأ ويطوره إلى أن انتهى به إلى إنفاق تسعة أعشار والاحتفاظ لنفسه بالعشر (23). وقد جر عليه هذا الإغداق في الإنفاق عداء الفقهاء والمتنفذين في الدولة الذين لم يكن همهم من الوصول إلى تلك المناصب سوى التقرب من أولي الأمر، وما يدخل في بطونهم، والاعتزاز بهيبة السلطة وتحكيم السلطوية في رقاب العبـاد، وما قد تدره من بسطة في المال وتملك للضياع والعقار. قال أبو بكر الفقيه : قلت لأبي العباس ما للعلماء يعادونك ويكرهونك فقال: لأنني موقن بخير الله تعالى حيث قال ["وما أنفقتم من شيء فهو يخلفـه وهو خير الرازقين" وهم غير موقنـين بذلك (24)".
4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : مبدأ أزعج السلطة الموحدية لأنها تعلم بعده السياسي. ألم يصطنعه ابن تومرت في تغذية وتأجيج حنق الأمة على المرابطين؟ ومن ثـم فإذا كان ميدان تعاليم الفقهاء المسجد، ومجال تداول الفلسفة قصور الملوك وبيوتات الوزراء والفئة المتنورة، فإن مجال دعوة أبي العباس السبتي قد راوحت بين مؤسسة تدريس الطلبة في فندق مقبل حيث كان يعلم العربية والحساب، ومجال آخر أوسع بكثير من الفضاءات المحدودة، إنه حاضرة مراكش بساحاتها وأجنتها وأسواقها وأزقتها، يجوس خلالها بلباسه المتواضع، وبيده سوط حاضا الناس على التمسك بأصول الدين. "كان يمسك في يده سوطا يمشي به في الأسواق، ويذكر الناس ويضربهم على ترك الصلاة في أوقاتها، ولهذا لا غرابة إذا وشيت ترجمته بأسماء أجنة مراكش، وحوماتـها، وأسواقها على عهده؛ كبحيرة الناعورة، وباب الدباغين، وبحيرة الطلبة، وبحيرة وباب أغمات، وبساتين باب دكالة، وسوق الغزالين، باب تاغزوت... إلخ.
5- الصدقة : هيمن هذا المبدأ على بقية المبادئ، حتى قيل مذهب أبي العباس قائم على الصدقة والبذل، والذي استنتج ذلك هو ابن رشد، عندما قال: "هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود (25)". وأخباره مرتبطة بالصدقة فلا يأتيه أحد في أمر دقيق أو جليل إلا وأمره بإخراجها. قيل له لم لا تتكلم على الصلاة "فقال إنما تكلمت على العلة العظمى التي عمت وهي البخل (26)" كان لا يخرج إلى صلاة الاستسقاء إلا بعد أن يفتح أولو الأمر أهراءهم، ويتصدقوا بما فيها من المؤونة على المساكين، ولهذا لا عجب إذا سماه ابن عربي "صاحب الصدقة بمراكش (27)"
 6- وإذا أردنا أن نركب رؤياه، فإننا نجدها تتمثل في محورين أحدهما عمودي يربط بين الذات وأوامر السماء المتمثلة فيما نزل به الوحي الأمين على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، تتخلص به الذات من كل الموانع والشوائب التي ترين على القلب، وتحول بينه وبين تلقي التجليات، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق التدرج في مقامات السالكين. والمحور الثاني أفقي يرتبط بالأرض، بالمجتمع، يستمد عناصره ولألاءه من المحور الأول الذي يفعل فيه، يرتقي به من حال إلى حال عن طريق العمل والامتثال، بالجود ينفعل الوجود.
هذه الحركة المبتناة على هذه المنظومة التي حاولنا بناءها، أربكت السلطة الموحدية في بداية الأمر، ومخافة أن تكون متخللة بنزعات شيعية، أو تتغيى أهدافا سياسية، فقد عمدوا إلى مراقبتها، واستبطنوا نحلة صاحبها من خلال أجوبته على أسئلة استفزازية؛ كسؤال لم كانت الخلافة لمعاوية دون الحسن بن علي رضي الله عنه؟ ووجهة نظره فيما فعل بالحسين؟. وقول بعض السلاطين لأبي العباس وهو راكب: إلى متى تشير ولا تصرح (28). وله مع القضاة والفقهاء جولات.
فلما اطمأن الساسة لتعاليمه؛ لما رأوا فيها من بعد اجتماعي يساهم في التنفيس عن الأزمة الاجتماعية التي تعاني منها الدولة (29)، فهو يدعو إلى القناعة والتضامن والبذل وأن في المال حقا سوى الزكاة، كما أن تعاليمه تحث على بذل النفس "وسر الجهاد بذل النفس في مرضاة الله تعالى والتخلي عن كل شيء، وترك التعلق بأسباب الدنيا (30)" والدولة بحاجة إلى مجاهدين؛ فالإمبراطورية الموحدية شاسعة وإحكام القبضة عليها وضمان أمنها الداخلي والخارجي يتطلب حماة مهيئيين جسميا ونفسيا وعقديا لما أنيط بهم. لهذا لا غرابة إذا وجدنا أبا يعقوب المنصور ينتقل في حاشيته إلى جبل جليز، ويطلب من أبي العباس أن يدخل العاصمة مكرما، وأهداه دارا، ومدرسة، وساعده على الزواج، ورتب له جراية.
إن هذا التقارب والتجاوب بين السياسي والصوفي؛ بين السلطة الدنيوية الشرعية والصوفية لن تجد تفسيرها سوى في آلية التوفيق التي طبعت هذا العصر. فقد اهتم أولو الأمر بتوحيد المغرب العربي والأندلس(31) وانصرف هم أبي العباس السبتي، شعر بذلك أو لم يشعر، إلى التوفيق بين الكلام والتصوف، على غرار توفيق ابن رشد بين الحكمة والشريعة. وقد تبين لابن رشد أنه يلتقي مع أبي العباس في أصول رؤياه " هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود، وهو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة(32)". فبآلية التوفيق المهيمنة ابستمولوجيا يتسنى لنا فهم مجموعة من الإشكالات(33) الغريبة التي تقع الإشارة إليها في المصادر القديمة، كالتباع صاحب القرار السياسي يعقوب المنصور لأبي العباس السبتي، واعتماده شيخا من شيوخه في سلوك طريق القوم، ويعزو البعض هذا التقارب، أو الاستسلام للصوفي، إلى أزمة ضمير عاشها المنصور عندما أملت عليه الظروف السياسية أن يضحي بأخيه مخافة أن يستأثر بالإمارة دونه (34). وبتلك الآلية أيضا يمكن فهم النهاية الغريبة التي وردت في الإعلام، والمتمثلة في ترويض الصوفي أبـي العبـاس للسياسي يعقوب المنصور(35)، وعندما أحس هذا الأخير بأن الشيخ قد استهواه وتملك وجدانه بادر إلى تسليم السلطة السياسية لخلفه، وتفرغ بعد ذلك لأبي العباس السبتي، واتبع سبيله متخففا من أمانة الإمامة الثقيلة، وكأن لا اتفاق بين السياسي والحب الإلهي، بين الاحتيال في تدبير الآني، والمعتقد الرباني "فسلم يعقوب المنصور نفسه له – لأبي العباس – وأنزل نفسه منزلة خادم وفتح له على يده، وترك الملك وسلمه لابنه واشتغل مع الشيخ وثبتت قدمه في الولاية (3(".


Commentaires (0)


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015