الجرأة على المحرمات تبتدئ بمناوشتها.. قبل وبعد المطالبة بالمساواة في الإرث

26/10/2015 ذ. محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

"لقد ألغم علماء الاستشراق التراث الإسلامي بمجموعة من التساؤلات حول الطابوهات - المحرمات- فعكف مصلحو النهضة على الرد عليهم،مما ألهاهم عن الإجابة على الأسئلة الحارقة للعصر، وها نحن نعاود اللحظة من غير مراوحة المكان فكأن الزمان قد توقف.

الجرأة على المحرمات تبتدئ بمناوشتها.. قبل وبعد المطالبة بالمساواة في الإرث
 
المقصود بالمحرمات تلك المسلكيات التي نصت القواعد الفقهية والقانونية على حظرها ومنعها منعا جازما،سواء أتعلقت بالعقيدة أو المعاملات أو المناكحات (الأحوال الشخصية) أو الأخلاقيات، ورتب على اقترافها عقوبات تختلف درجة حدتها،بقصد الانزجار ودفع المفاسد والمحافظة على الأمن الروحي والنفسي والمادي والاجتماعي للمواطنين. هذه الخطوط الحمراء يستضمرها الضمير الجمعي بواسطة مختلف البيئات التربوية، من بيت ومدرسة ومسجد ومجتمع، وباستنكار الذوق لها يتحاشاها الصغير والكبير ولايجرؤ على اقتحام حظيرتها ولو بالخاطرة ناهيك عن القول.فالفطرة السليمة تأباها،فلا يجرؤ فرد من أفراد المجتمع على مساءلتها أو طرحها للنقاش بله العزم على إتيانها.
لقد احتيل في وقتنا الراهن على اقتحام تلك الطابوهات بطرحها مكشوفة من غير استحياء عبر وسائل الاعلام والشبكة العنكبوتية، وأصبحت محط نقاش ومدافعة،بين مؤيد ومعارض،ومحلل ومتسائل،ومؤول للحرمة محتال على إنزالها إلى مستوى الرأي والاستكراه.
وهذه استراتيجية منطلقها المناوشة والنقاش ومنتهاها التجاوز والرضوخ إلى التسليم والقبول.
فالزواج المثلي،على سبيل المثال،طرح في بادىء الأمر في انجلترا،منذ ثلاثين سنة،كقضية أو فكرة مستفزة،وأخذ النقاش يحتد حوله تدريجيا، فشاركت فيه الأطياف السياسية والدينية والمجتمع المدني ولم يعد ثمة احتشام لدى الرأي العام في تداوله،بحيث أضحى من قبيل الكلام المكروروالمألوف،وبعد إنقضاء جيل بالتمام والكمال، هاهو ذا في انجلترا مشرعن ومصادق عليه قانونيا،وصار الرجل لايستحيي أن يقدم الرجل على أنه زوجة، والمرأة لا تجد حرجا في تقديم المرأة على أنها زوج.
أما في مجتمعنا العربي الإسلامي،فإلى وقت وجيز كنا نتظاهر مستشيطين عضبا منددين بصنوف تهكم بعض عنصريي الغرب واستهزائهم بثوابت معتقداتنا الإسلامية،ولم يمض سوى زمن وجيز لنجد من بين أبناء جلدتنا من يستشكل حكم تلك المحرمات ويتساءل عنها تساؤلا إنكاريا فيواجه بمن يرد عليه محاججة،ومن ينكر السنة ويقف في وجهه من ينافح عنها،ومن يتنكر لفعل من أفعال الرسول عليه السلام فيتصدى له من يدافع ويندد....إلخ.
فبهذا الأسلوب-التكتيك-المراوح بين الشد والإرخاء تقتحم المحرمات لتستهلك بعاصفة من الكلام الذي يغدو،بتراخي الزمان،معادا في أسلوبه مكرورا في مضمونه فاقد للمعنى،وبين هذا وذاك وداخل ذاك المد والجزر،يتسلل أخطبوط ذلك المحظور انسلالا تدريجيا بحيث ينتقل،لدى من في قلبه مرض،من الخاطرة إلى النية،ومن الإرادة إلى الهم، ومنه إلى الفعل الذي تشيع معه الفاحشة وتبهت القيم الدينية والوطنية، بحيث يصبح القابض عليها كالماسك بالجمر.
إن الجرأة على المحرمات تبتدئ بالمناوشة لتنتهي إلى الاستخفاف بها..."إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه و لكنه رضي بما تحتقرون من أموركم".
 


Commentaires (0)


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015