المذاهب السنية ... الغِنى في الاختلاف

18/07/2017 ذ. محمد الطوكي / كلية الآداب - مراكش

مراكش

إن المذاهب السنية متحدة في أصول التشريع ومقاصده، كما أن غناها كامن في الخلاف في بعض الفروع، وإن من يركب على الجزئيات لإثارة النعرات دليل على جهله بمنطق التشريع وفلسفته.

المذاهب السنية ... الغِنى في الاختلاف
منذ أن استنبتت فسيلة المذهب المالكي في المغرب على عهد الأدارسة، وتأصلت شجرتها باسقة توتي أكلها في عهد المرابطين، واستمرت مغدقة معطاءة على عهد الموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين ولغاية أواخر الستينات، أقول طيلة هذه الحقب الوسيط منها والحديث، كان ساكنة المغرب يؤدون صلواتهم وطقوسهم الدينية في المساجد والزوايا من غير نكير أو مستفز؛ فالصلوات تؤدى في جو رباني مطمئن وتنتهي بالسلام والدعاء والمصافحة الدالة على سلامة الطوية والود والأخوة والمشاركة.
وابتدءا من أواخر الستينات أخذت الأحوال تتبدل وتشتد، وبتوالي الأيام، أضحت النقاشات والخصومات تحتد في معظم المؤسسات الدينية والتربوية، ولم تقتصر على الفرائض الدينية والواجبات بل تعدتها إلى سحب حكم الفرائض على السنن والمستحبات والفضائل. وهكذا أصبح العامة في حيرة من أمرهم، ولم يقتصر الأمر على منابر الدعاة الجدد، بل دخل على الخط، كما يقال، الجهلة ممن لاحظ لهم في العلوم الشرعية واللغوية. ومما ساعد على أن يستحر هذا النوع من الجدل، ويساهم في انتقال الأفكار وتصدير المذاهب، ظروف معقدة دولية وإقليمية ووطنية، سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية. كانت جميع هذه الملابسات وراء انتقال"الاشعاع" وخاصة منه الديني من مصر إلى كبرى دول الخليج التي حملت راية ما سمي "بالصحوة الإسلامية" بطعم وهابي. وهذه الأخيرة لا علاقة لها بالفكر التنويري لسلفية محمد عبده التي كان المغاربة ورموزهم الوطنية قد تبنوها، واتخذوها ذريعة لمقاومة الإيديولوجية الاستعمارية التي كانوا يعانون من وطأتها طيلة عهد الحماية.
فالأصولية الوهابية إيديولوجية تناوئ سلفية محمد عبده وتتهمها وتفسقها وتبدع أتباعها. ومع الأسف فقد وجد من أبناء جلدتنا من تحمس لها وحمل لواءها، وانتهز كل محفل ومنبر للدعوة لها على حساب وحدة المذهب المالكي، وأصبحنا نسمع استفهامات إنكارية، وأقوالا فيها غلظة وفظاظة من مثل: ومن هو الإمام مالك؟ ومن أين أتى بهذا الحكم أو ذاك؟ وأنى له بهذا التوجيه؟
وعلى كل حال فكما يقول المثل العربي: "فإن لها البترو دولار، قد فتحت لها كل طامع همه ما يدخل في بطنه..." .
نتيجة لكل ذلك وغيره أصبحت ترى في بعض مساجدنا المغربية نوعا من الانقسام والصراعات، وارتفاع الأصوات، والنظرات الشزراء الحاملة لبذور العداوة والبغضاء؛مما يذكرنا بكارثية التعصب المذهبي الذي عرف بعد القرن الخامس الهجري في المشرق، وكان الرحالة المغاربة المتوجهون إلى الحج آنذاك والذين يوحدهم المذهب المالكي، كانوا يتعجبون من ذلك التشرذم المذهبي، ويستغربون من بعض المساجد المشرقية ذات المحارب المتعددة بتعدد المذاهب، ويزدادون استغرابا عندما تقام صلاة الفريضة فيدخل البعض فيها، ويبقى وراءهم آخرون جالسين ينتظرون الإمام الموافق لمذهبهم. فكأني بهم يطعنون في إمامة الأول ولا يرونه أهلا لأن يقتدوا به...!
إن مزية وحدة المذهب لدى المغاربة، ووحدة رؤيتهم الدينية جعلتهم ينزعجون من ذلك التعصب المذهبي، مما دفع بعض رحالتنا المغاربة إلى تقديم مشروع يجمع تلك المذاهب بدل تلك التفرقة المقيتة.
اضطررنا إلى فتح هذا القوس لنبين تاريخيا فائدة ومزية وحدة المذهب المالكي في المغرب، وأن إثارة النقاشات المذهبية وشحنها بنوع من الصراع وعدم احترام أئمة المذاهب السنية والتنزل بذلك إلى حظيرة العوام حال بين المؤمنين ومعرفة أمور دينهم الأساسية، فترى الدعاة الجدد يثيرون النقاش حول التفاصيل والجزئيات، فيقول المدعي ويرد الخصم، ويستدل هذا، وذاك ينقض استدلاله وقد يحمل الهوى وقلة الذوق كلا الخصمين على التطاول على كرامة وحرمة أئمة المذاهب السنية، مما يتسبب في العداوة والفتن، أما الأمور المهمة الجامعة للمسلمين والموحدة لصفوفهم فلا يهتم بها ولا يلتفت إليها، فيغدو ما يفرق أكثر مما يجمع.
إن الذين يرتاحون لإثارة الصراع والخصومات بين المذاهب السنية جاهلون بأصول الفقه والدين وفلسفة التشريع ومقاصده، غير مدركين لملابسات الخلاف العالي وفوائده.
علينا أن نعلم أن المذاهب الفقهية السنية متفقة في أصول التشريع وعلى رأسها كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام. أما الخلاف فيما بينها فمقتصر على بعض الفروع أي القضايا الجزئية، وهو خلاف لا مفر منه، ولا يمكن اجتنابه، وهذا ملحظ لا يعرفه إلا من اختص وضرب بسهم وافر في العلوم الشرعية. وأسباب ذلك الخلاف متعددة. منها:
1- اختلاف القدرات العقلية في استنباط الأحكام من النصوص. فالنصوص الشرعية تتميز بالإعجاز، ولهذا فهي تؤول في حدود ما تسمح به اللغة العربية وقواعدها، وهذا باب تختلف فيه قدرات الناس، ففيه غوص في الطبقات الدلالية للنصوص.
2- معرفة الأسباب التداولية، وإدراك أبعادها وملابساتها.
3- اختلاف القدرة على فهم الواقع والتفطن إلى العلاقات المناسبة له من النصوص.
4- يمكننا إضافة المستوى الأخلاقي للعالم، ومبلغ مقامات ورعه. فتقوى الله درجات وأعلاها الإحسان ومن مشمولاته المراقبة والمحاسبة وما يترتب عليهما دنيا وأخرى.
يزكي ما قلناه من تنوع الرؤى اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في قضايا فقهية، وكذا اختلاف الأوساط والبيئات وأثره في تطبيق القواعد الفقهية. فهذا الإمام الشافعي يعيد النظر في مذهبه القديم في بغداد بمجرد انتقاله إلى مصر، مما جعل الفقهاء يتحدثون عن قديم مذهبه وجديده.
إن جغرافية المذاهب الفقهية قد حدثت وتقررت من زمان، ومن ثم اختص كل مذهب بمنطقة وبيئة معينة، وكان وراء كل ذلك أسباب ودواع لا يمكن الحسم فيها بهذا السبب أو ذاك، وعلم الأفكار وانتقالها حركيتها هو اليوم الكفيل بدراستها. وقد كان من حظ المغاربة، بل المغرب العربي، أن أمتن الله تبارك وتعالى عليه بمكسب مهم وهو تمسكه بالمذهب المالكي.
إننا نؤكد أن وحدة الأصول بين المذاهب السنية من الثوابت، في حين فإن وحدة الرأي في مجموعة الفروع والجزئيات والتفاصيل مستحيلة بل متناقضة مع طبيعة الدين نفسه، لأنه سبحانه أراد لهذا الدين أن يستمر ويخلد ويتناسب مع جميع الأعصر، وان يتطور بحسب الأزمنة والأمكنة، ومن ثم فهو متميز بالسهولة والمرونة والبساطة والوسطية والاعتدال، ومن طبيعته النفور من التعقيد والتصلب والتعصب والفظاظة والجفاء والغلظة.
نعم لقد تحملنا عن أساتذتنا، رحمهم الله وجزاهم عنا خير الجزاء، في كل من الجامعتين القروية واليوسفية، أثناء دراستنا للخلاف العالي، من خلال بداية المجتهد للعلامة الفيلسوف ابن رشد، تعلمنا منهم أن الاعتراف بالخلاف في الجزئيات لا ينبغي أن يركب عليه لإثارة التعصب المقيت، كما أنه لا ينبغي أن يتنزل هذا العلم العالي إلى درك العوام لأنهم ليسوا في مستواه ولا هم في حاجة إليه.
ينبغي من الناحية التربوية تطوير الحالات الذهنية، حتى تسمح بالمحافظة على المهم، لابد من احترام الخلاف بين المذاهب السنية عن طريق الفهم العميق لمعنى الوحدة، وحدة القلوب والمشاعر، وألا يركب على هذا المذهب السني لضرب ذاك أو تصدير ذاك لبلبلة هذا.
علينا أن ننتهي من وراء كل ذلك إلى احترام بعضنا بعضا في إطار احترام اختلاف آرائنا. وعلينا أن نعلم أن ما يجمع أولى مما يفرق، ووحدة المذهب المالكي رمز من رموز وحدة المغاربة ومظهر من مظاهر الولاء والانتماء لهذا الوطن الحبيب. ومن هم بغير ذلك فسيكون مآله كما قال الشاعر:
 


Commentaires (0)


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015