المسائل الخلافية الشرعية .. أو حيث تنقلب الأعراف العلمية

11/08/2015 محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

..فعلى مجالسنا العلمية ألا تبقى منحصرة في نواقض الوضوء وموجبات الغسل ، عليها أن تواجه الغزو الخارجي ، والغزو المادي ، وحتى تعرف بالإسلام وخصاله وفضائله وتساهله لأن الدين يسر وليس بعسر ، ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه .
(من خطاب المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة إحداث المجالس العلمية)

المسائل الخلافية الشرعية .. أو حيث تنقلب الأعراف العلمية
في أواخر الستينات ، أثيرت قضايا شرعية ، ابتعدت عن النقاش الهادئ المثمر ، وطرحت بنوع من التعصب و الفضاضة ، فابتعد الحوار بين أطراف الدعوى عن مقتضيات النقاش المحترم والمتعقل الذي نظر له العلماء في باب المناظرات ، وآداب الخلاف العالي . فلم يراع السائل للمسؤول حرمة ، ولا نظر إلى حججه ومآخذه بميزان العدل ، وهكذا انقلبت الأعراف العلمية فتجرأ الطالب على أستاذه وسط الحشود ، لا أقول برفع الصوت ، بل بمقاطعته وتسفيه رأيه ، ورميه بالتحريف والتخريف والتقليد والجهل ، وتجنبا لرد السفاهة بمثلها ، فضل بعض العلماء الإعراض والانطواء على خويصة أنفسهم ، بل منهم من لازم بيته ، كالمرحوم العلامة البعاج بمكناس .
لقد أفضت تلك النقاشات بل المناوشات إلى خصومات قلبت الموازين إلى حد أن لبس فيها العامي لباس العالم ، فجلب على من لا يرى رأيه بخيله ورجله ، وخرج البعض الآخر من العلماء عن الطور متمثلين بقول الشاعر :
          ألا لا يجهلن أحد علينا    °°°°   فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وهكذا ، فعندما يخرج الحوار عن مساره ، ينفسح المجال واسعا للهوى ، فينبعث المارد الرجيم متطايرا شررا بالهجران والسب وفحش القول ، أما مسائل العبادات التي كانت وما زالت مثار أخذ ورد وتفسيق وتبديع فهذه قائمتها :
• مسألة القبض والسدل.
• الاقتصار على تسليمة أو تسليمتين في الصلاة .
• جلسة الاستراحة .
• دعاء الاستفتاح.
• مسألة البسملة والتعوذ قبل الفاتحة في الصلاة .
• الذكر بعد الصلاة والفاتحة .
• صلاة المنفرد خلف الصف .
• صلاة واحدة بالتيمم ، والفرق بين النفل للفرد أو العكس بتيمم واحد .
• قضاء الفوائت ، أو يكفي الاستغفار وعدم الإعادة .
• قراءة القرآن جماعة .
• تحية المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب .
• التهليل أو السكوت مع الجنازة .
فهذه المسائل لها في المذهب المالكي حكم ، وفي غيره من المذاهب حكم آخر تبعا لثبوت بعض السنن ، والمفتي الحق هو الذي يرجح ويعرف كيف يقلب المسألة على مختلف وجوهها ، ويعطي لكل دليل حقه من النظر .
لقد سبق لرابطة علماء المغرب ، زمان العلامة الفاضل المرحوم بعفو الله سيدي عبد الله كنون ، سبق لها أن أحالت هذه المسائل التي هي من قبيل السنن على مفتيها الفذ المرحوم الشيخ محمد كنوني المذكوري فكان جوابه :
(أما المسائل المذكورة ...فهي مسائل لا تمس الجوهر من الدين ، فالصلاة التي أمر الله بالمحافظة عليها ، في غير ما آية من كتابه العزيز ، صحيحة كيفما وقعت بالبسملة أو بدونها على خلاف بين الأئمة ، وبالقبض والسدل معا ، وبالرفع (رفع اليدين بعد الركوع) وبالفاتحة والمصافحة وبغير ذلك وبتكرار الآذان أو لا....)
نعم ، فنحن من أنصار السنة ، ومن الداعين إليها  ، ولكن لا يصل بنا ذلك إلى المناقشة الحادة وإلى الحقد والضغينة ، وغير ذلك مما يسبب لنا التنافر والتقاطع ، ورمي بعضنا بعضا ، والهجران وفحش القول ، فنقع بسبب ذلك فيما حرمه الله كتابا وسنة وإجماعا .
وقد سئل الأمام مالك ، رحمه الله ، المقتدى به في هذه الديار ـ : أتجادل في السنة ?  قال  : لا ، أخبروا بها ، فإن سمعوا فذاك ، وإلا فلا ، أو كلاما هذا معناه .  
فهذا الخلاف الشديد بين إخواننا المؤمنين  حول السنن والمستحبات الخلافية أوقعهم في المحرم المقطوع بحرمته ، مع أن الله تعالى يقول : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ...(آل عمران/ 103 ، وقال سبحانه : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ، واتقوا الله لعلكم ترحمون ...الحجرات/ 10-11 ، وقال سبحانه : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ../الأنفال/46 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ، كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ..رواه الإمام مسلم و أحمد 

فعلى من أراد أن يفتي أن يتقيد بالضوابط الشرعية للفتوى ومنها :
1- الإحاطة بعلم الفروع ، ومعرفة أصل كل فرع ، وخاصة في المذهب المالكي .
2- معرفة الخلاف العالي ، ويقصد به الخلاف بين الأئمة ، وأصول هذا الخلاف ، إذ بواسطة ذلك تدرك أدلة الفروع ، حتى إذا كان هناك من يريد التوسع في معرفة دليل الفتوى ، أخبره المفتي بدليل المذهب ، الدليل الآخر إن طلبه فيزول الاعتراض ويقل النزاع .
3- الإخبار بدليل الفتوى يكون لمن له علم ، أو يحاول التعرف على ذلك .أما طبقة العوام والأميين فلا يليق لهم ذلك .
4- أن يكون هناك إخلاص في الفتوى ، وتجنب إثارة مكامن الفتن والشغب بين المسلمين ، وتوجيه الناس توجيها حسنا في دينهم ودنياهم ، لأن الغاية الكبرى هي توحيد الكلمة وجمع الصف ، والتوجه إلى ما هو أعلى وأهم من شؤون المسلمين .
5- أن يجمع بين العلم والورع المتمثل في الأخوة الإسلامية ، والتعاون والتضامن والتآلف .

إن قضايا العقيدة والعبادات والمعاملات الضاربة في القدم ، التي يفتى فيها إلى اليوم قد انتهي منها منذ القرن التاسع الهجري ، وإن في إعادة طرحها سواء بحدة أو ببرودة لدليل على الاجترار الدال على الجمود والتقليد .                                                            


Commentaires (1)
1. كمال في 13/08/2015 11:08
ما ورد في المقال صحيح وهذا هوالاصل في المسائل الخلافية، ولكن الحق يقال : التعصب والتشنج والرد السيء يبدر غالبا من الذين يتشبثون باقوال الاباء اذا دعوا الى كتاب الله وسنة رسوله
تعليق جديد


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015