ما الذي تبقى من العرب؟

22/06/2017 موقع قنطرة ـ ألمانيا

رغم الحروب وعمليات الإبادة، فإن عدد العرب في تزايد مستمر، ولكن معرفتهم بأنفسهم في تناقص لم يسبق له مثيل. هل سيظل هناك شيء اسمه هوية عربية؟ ثقافة عربية؟ دوامة التراجع العربي مرتبطة بتطورات اجتماعية-سياسية، تهدد ما تبقى من هذه الهوية. هذا ما يؤكده الكاتب الألماني شتيفان بوخن لموقع قنطرة في نظرته التالية.

من خبز يابس يعمد الجنرالات إلى صنع بيادق الشطرنج. إنهم يخوضون حروبا جديدة، يحاولون من خلالها حماية الملك، على الرغم من أن العالم من حولهم آخذ في الانهيار. أما الخبز، المادة التي صنعوا منها بيادقهم، فقد انتزعها الجنرالات من أفواههم.

عمل الجنرالات السبعة في الجيش العراقي، وقد نفذوا أوامر قيادتهم دون أن يصدر عنهم أدنى نقد.  أحدهم يأسف أنه لم يهوِ على رأس الملك بسيفه، قبل أن يتأخر الوقت. واليوم، لا يستطيعون تطبيق خططهم الحربية إلا على خشبة الشطرنج، التي صنعوها في سجن بوكا الأمريكي بالعراق. ويبدو أنهم محكومون بتكرار خطأهم والمتمثل في حماية الملك.

إن قصة الجنرالات السبعة الذين وقعوا في الأسر الأمريكي، يسردها الروائي العراقي شاكر نوري في روايته "مجانين بوكا" الصادرة عام 2012.
  إن الأمر يتعلق هنا في هذه الرواية بتقرير متخيل إلى حد ما عن السجن الذي شيدته القوات الأمريكية في صحراء العراق الجنوبية بعد غزوها لهذا البلد. وسيتم اعدام الجنرالات السبعة مثل عدد كبير من السجناء من طرف القوات المنتصرة.

إن وصف الروائي العراقي لفعل تفكير وإحساس وَ حياة وموت السجناء، يعبّر كاستعارة ساخرة وصارمة عن وضع الدول والمجتمعات العربية.  أو باختصار: وضع العرب اليوم. أما الجنرالات السبعة الذين وقعوا في الأسر فهم يمثلون فشل النخب العربية.

"خيبة الانتظارات" بعد الربيع العربي الذي انطلق في 2011، "الحروب الأهلية" في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، "التخلف" و"التطرف الديني": هي العناوين التي تصف بها وسائل الإعلام الدولية، وعن حق، الوضع في الدول العربية، بل رُبّ سائل حول إن لم تكن هذه التوصيفات للوضع -التي ينقصها الأمل- مجرد التفاف على الواقع الحقيقي وعلى جوهر الأمور، والذي يعتبر أسوأ بكثير مما تقوله.

هل ستستمر الهوية العربية بالحياة؟ وهل تستمر الثقافة العربية؟ إنه السؤال الذي يطرح نفسه اليوم. 
فبالنظر لدوامة الانهيار الاجتماعية ـ السياسية اليوم، فإن الهوية العربية تقف أمام مفترق الطرق.

بالإمكان وضع حد للحروب الأهلية، ويمكن للتوقعات السياسية المرتبطة بتحقيق الحرية والعدالة أن تنتظر قليلا، لكن أليس الانهيار -الذي ضرب الواقع من العمق- من شأنه أن يحول دون تكون مجتمع عربي سعيد؟

 

لكن على الرغم من الحرب والمجازر الجماعية، فإنه لم يسبق أن كان العرب بهذه النسبة الديمغرافية من قبل. لكنه لم يسبق لهم أيضا أن كانوا بمثل هذا الجهل بحقيقتهم.
يتحدث الشاعر السوري رائد وحش في لغة ممزوجة بالمرارة عن قرب اختفاء العرب، وعن جيله الذي تعلم من آباءه ألاّ يترك أثرا....

يقع سجن بوكا في المنطقة التي عرفت لقاء العرب بالحضارة البابلية. يطلق الكاتب شاكر نوري العنان لمخيلة السجناء، التي تزدحم بصور شعرية قديمة، مثل الفرس الجموح، التي سيمتطونها باتجاه الحرية، أو النسر المحلق الذي يشير إلى الطريق. إنه الحلم. 

وفي لغة باردة، يؤكد نوري بأن من سبق له وسجن في بوكا، سيحمل معه جنونه إلى الأبد. لقد دفعت بهم آلة التعذيب إلى الجنون. وهو الجنون نفسه الذي يميز الهوية العربية اليوم. لكنه جنون يختلف عن ذاك الذي أوحت به ليلى الجميلة لشاعرها المجنون. يا له من انهيار.

 



Commentaires (0)


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015