هذا حكم الاشتراك في ثمن الأضحية في المذهب المالكي

19/08/2017 الطوگي محمد / كلية آداب مراكش

زرته، كعادة جيلي في الزيارة، بعد العصر، وبمجرد أن فتح باب دارته villa رحب بصوت جهوري وبوجه متهلل ومستبشر.
- أهلا وسهلا، يا سبحان الله ! حللت في وقت مناسب، وأردف بصوت مرتفع، ليسمع من بداخل البيت ويطمئنهم على أن الزائر ليس بغريب عنهم، أو صديقكم.
أدركت من هذه العبارة الأخيرة، أننا لن نجلس معا كالعادة، وفي المدخل سرى إلى مسمعي أصوات متداخلة؛ تشي بنقاش محتد بين رجال ونساء. أدخلني إلى الصالون و أقحمني متلطفا في جوهم العائلي، حيث قدمني إلى الحضور الذين أعرفهم ويعرفونني؛ فوالدته من جيل والدتي وجارة قديمة لها، وأخوته ترعرعن إلى جانب إخوتي، أما أزواجهن فقد تمتنت علاقتي بهم تدريجيا؛ ابتداء من يوم الخطبة. لعل هذا الافتتاح قد صدر منه كمحطة لنقل النقاش من نقطة الصفر التي انتهى إليها فيما بينهم. وقال لنضعك في الصورة فأنت واحد منا.
- إننا نتذاكر في جزئية فقهية تتتعلق باشتراكنا نحن العائلات الأربع في شراء عجل لهذا العيد، فبدل أن يشتري كل واحد منا كبشا أقرن، ارتأينا أن نخرج من التفاريق إلى الجمع حول عجل. فنحن الرجال لم نر في ذلك بأسا؛ ومدخلنا هو المصلحة المادية، ومكسب اللحم الكثير، وفرجة الأطفال وفرحتهم. اما النساء فقد أبين ألا يقدمن على هذا الأمر إلا إذا علمن حكم الله فيه. فماذا يقول الشرع ،أيها اليوسفي، في هذه النازلة، فنحن لم ندرس مثلك في تعليم ديني أصيل، واختصاصتنا علمية صرفة؟.
- إن الكلام في هذا الأمر الشرعي لا يتأتى بمطلق الرأي و لا يجوز تعليله بالمصالح الذاتية التي هي وراء كل العلاقات البشرية الطاغية في عصرنا النفعي. فهذه أشياء غريبة عن منطق الشرع الرباني، ولهذا إذا سمحت- متجها إلى صديقي- ومعتذرا للحضور. فلنأخذ لحظة نستشير فيها إذا تفضلتم المكتبة الخاصة بوالدكم –رحمه الله- وهي مكتبة ليست بغريبة عني.
كان والده من الطلبة المتميزين في جامعة ابن يوسف، تخرج منها في الخمسينات، واشتغل بالتجارة التي أغنته عن التزلف والتكسب من الوظائف، وقد أتاح له هذا العمل الحر إغناء خزانته، وتنمية ثقافته وتكوينه بطريقة تلق خاصة.
ارتدنا مكتبة المرحوم التي حافظ عليها الورثة محافظة العلماء القيمين على المتاحف؛ وتعهدوها بالنظافة والصيانة، قصدنا الجناح المخصص للفقهيات، واستللت من مصنفاته أربعة كتب من مصادر الفقه المالكي:
- الجزء الرابع من شرح الباجي لموطأ الامام مالك.
- شرح فقه الرسالة للعلامة جسوس طبعة حجرية.
- المجلد الثاني من منح الجليل شرح على مختصر خليل للشيخ عليش.
- القوانين الفقهية لابن جزي.
أخذناها إلى الصالون، كانت رؤية الحضور لهذه الكتب الأصيلة، باصفرار أوراقها وأناقة تسفيرها، كانت مثار إجلال وإكبار، ولا أدري سبب ذلك الانبهار والخشوع، أهو عائد إلى رجع ذكرى والدهم، أم هو تقدير لهذا التراث العتيد الذي لازال فيه حل لمجموعة من مشاكلنا، أو هما معا؟ وقلت.
- إن حلمكم و تمثلكم للعيد الذي بنيتموه على العجل، لا يؤسسه أو ينقضه إلا استشارة مثل هذه الكتب، والآن فلنستحضر أعلام التراث، ولنفتح لهم مجال القول للإجابة عن سؤالنا أو أسئلتنا. قال أحدهم:
- نريد أن نعرف إلى جانب الشراكة في العجل حكم الأضحية بالبقر.
فتحت شرح رسالة ابن أبي زيد على باب الضحايا والذبائح. وبخصوص الأضحية بالبقر جاء في تراتبية مستحبات بهيمة الأنعام قوله:" وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من ذكور المعز، وذكور المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا".
أما بالنسبة للسن المجزئة من كل نوع فقال:" وأقل ما يجزئ فيها من الاسنان: الجذع من الضأن وهو ابن سنة، وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن عشرة أشهر. والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية. ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والابل إلا الثني. والثني في البقر ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الابل ابن ست سنين".
ثم فتحت كتاب المنتقى للباجي وقرأت:" أفضل الأضاحي الضأن فهو مذهب مالك رحمه الله، وسائر أصحابه أن الضأن أفضل من المعز... والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك من تفضيل الضأن، ما روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين". ومثل هذا اللفظ " كان يضحي " لا يستعمل إلا فيما يواظب عليه، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يواظب في خاصته إلا على الأفضل" ص173.
وبعد مناقشة حول المزيد من فهم تلك النصوص وتمثلها، انتقلنا إلى حكم الشرك أو الشراكة في الأضحية بعجل.
جاء في المنتقى للباجي في شرح قول (جابر بن عبد الله: نحرنا مع رسول الله صلى عليه وسلم عام الحديبية البدنة- الناقة- عن سبعة، والبقرة عن سبعة".
أما ما ذكر من ذبح الواحدة من ذلك عن سبعة، فقد اختلف الناس في تأويله. ومذهب مالك أنه لا يجوز في الهدايا الواجبة ولا في الضحايا أن يشترك جماعة في ثمن الأضحية أو البدنه- الابل- فيشترونها بالثمن المشترك ثم يذبحونها أو ينحرونها).
- وتبعا لذلك يقول ابن جزي في القوانين الفقهية:" لا تجوز الشركة في ثمن الضحايا"
- وقد زاد شراح الشيخ خليل هذا الأمر تفصيلا عند قوله : بلا شرك إلا في الأجر وإن أكثر من سبعةّ؛ إن سكن معه، وقرب له ،وأنفق عليه وإن تبرعا".
قال الشيخ عليش: (بلا شرك أي اشتراك في ذاته، فلا تصح التضحية بمشترك في ذاته؛ بشراء أو إرث او إعطاء. "إلا في الأجر " أي الثواب فيجوز التشريك فيه بشروط. وفائدة التشريك أي المشاركة في الثواب فحسب، فائدتها سقوط طلبها عن المشترك – بكسر الراء - ولو غنيا، وذلك بشروط ثلاثة فإن اختلت أو اختل شيء منها لم تجز).


Commentaires (0)


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015