هكذا تم لانتقال من جامع ابن يوسف بمراكش إلى دار البارود ...

10/10/2015 محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

مراكش

لما أذن الله ببزوغ فجر الحرية والاستقلال وتولي عهد الحجر وطغيان الأجنبي انتهى أمر دار البارود بمراكش ابتداء من خريف 1959 إلى مؤسسة تربوية احتضنت التعليم الثانوي لجامعة ابن يوسف بسلكيه وظل الابتدائي بمسجد الكتبية. وللعلم فإن هذين المستويين هما ما تبقى آنذاك من مكونات جامعة ابن يوسف أما تعليمها العالي الخاص بها فقد عفا عليه الزمن وبقي رئيس الجامعة اليوسفية مقتنعا بما قدر الله وقضى

هكذا تم لانتقال من جامع ابن يوسف بمراكش إلى دار البارود ...
بين المحافظين والمتنورين حول المقر الجديد
 
إن الانتقال من الجامع اليوسفي إلى دار البارود لم يات عفوا وصدفة بل عرفت الجامعة اليوسفية بينهما حركة احتدت بمرور الأيام بين المحافظين من الأساتذة والمتنورين منهم ومن الطلبة. فخلال سنة 1958 كان لطلبة الجامعة اليوسفية ودادية منضوية تحت لواء طلبة المغرب المرتيط بحزب الاستقلال وخلال هذه الفترة رفع الطلبة ملتمسا إلى الدوائر التعليمية العليا يطالبون فيه من خلال الثلاثية: التوحيد والمغربة والتعريب بالتفكير في إدخال مجموعة من الإصلاحات على النظام التعليمي في جامعة ابن يوسف من بين تلك الاقتراحات:
 
ـ إدراج المواد العلمية الدقيقة في مقررات جامعة ابن يوسف إلى جانب العلوم الشرعية واللغوية. وهذه العلوم العصرية المرجوة هي الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا وكل ما له علاقة بالحداثة بمافي ذلك الفلسفة
 
ـ إسناد هذه المواد إلى كفاءات مؤهلة علميا تجمع بين الاختصاص والبيداغوجية ـ توفير المختبرات وتجهيزها بالأدوات والمواد التي يحتاج إليها في التوضيح وإجراء التجارب والدروس التطبيقية
 
ـ إدخال اللغات الحية ضمن مقررات الجامعة وخاصة الإنجليزية والفرنسية
 
ـ توفير مكان مناسب للجامعة اليوسفية يتوفر على جميع الشروط الصحية والتربوية التي لا بد منها لأي فضاء تربوي تعليمي ويأخذ بعين الاعتبار حاجيات المقيمين والآفاقيين من طلبة الجامعة
 
ففيمل يخص هذه النقطة الأخيرة التي تعنينا لوحظ أن المسجد اليوسفي مقر الجامعة اليوسفية غصت رحابه بعد الاستقلال بأفواج من الطلبة الذين توافدوا للدراسة فيه من الابتدائي التابع للجامعة اليوسفية والمدارس الحرة والحكومية ومن ثم أصبح المسجد اليوسفي لا يتسع لهذه الأعداد القادمة إليه من كل حدب وصوب مما اضطر الإدارة إلى استغلال مساجد أخرى بالمدينة إلى جانب اكتراء الدور والرياضات ومن ثم ابتدأ تلويح بعض الأساتذة بضرورة التفكير في توفير مؤسسة تربوية بمواصفات عصرية. كانت بداية هذه المبادرة تسير بحسب طبيعة الأمور بسيطة إلا أنها لم تلبث أن تصعدت واقتنع بها المزيد من الأساتذة وتحمست لها ودادية الطلبة منذ انطلاقتها الأولى فاحتد النقاش بل الصراع مع المحافظين الذين يرون أن المكان الطبيعي لتلقي العلم هو المسجد ففيه درسوا ومنه تخرجوا وينبغي استصحاب الحال إلى الوقت الراهن ولن يصلح أمر هذا التعليم في نظرهم إلا بما صلح به أوله. أسفر هذا الصراع عن تبديع المحافظين لبعض الأساتذة وتفسيقهم وتجاوز الحد إلى رميهم بالإلحاد واتهم بعض الطلبة بالمروق وتعاطي السياسة التي اعتبروها القانون آنذاك من بين الموبقات فحظرها على الأساتذة والطلبة
 
وأخيرا حسم الأمر ورفعت الكلفة بنقل الجامعة إلى ثكنة دار البارود إلى حين  تشيد الجامعة التي دشنها المغفور له محمد الخامس بموقع في الدوديات كان تصميمها يزين الجدارالخلفي لمكتب الرئيس وكلما استدعي طالب إلى مكتبه أخذ بجمالية التصميم وأخذ يحلم بما ستكون عليه الجامعة التي يدرس فيها وشرد عما يوجه إليه من توبيخ وهذه هي القاعدة أو تشجيع في حالة الاستثناء. بيد ان توالي الأيام وتعاقب السنين أحال لون التصميم الحلم وأبلاه ليتسلل النسيان بعد ذلك إلى الذاكرة وكما قال شوقي : اختلاف الليل والنهار ينسي
 
الجامعة مؤسسة تربوية ذات أهداف وبرامج محددة
 
 إن مفهوم الجامعة يعني مؤسسة تربوية يجري بين أحضانها تعليم من مستوى عال له أهدافه وقوانينه المنظمة له وبرامجه وأساتذته وطاقمه الإداري وهموم بحث لها علاقة بالمحيط تفهمه وتعمل على توجيهه وتحسينه والاستفادة منه، تنتج المعرفة ولا تجترها. وهذه الفعالية الجامعية المراوحة بين الدراسة والتدريس والبحث تجري في مكان في مستوى الأهداف والغايات المتدخلة في التعليم العالي، والأمكنة أحيانا تتغير ولكن المؤسسة ثابتة يتطور مضمونها تبعا لتغير الظروف والملابسات والتوجهات. ولنا في مؤسسة جامعة
 
 القرويين خير مثال فلقد عرفت منذ تأسيسها فضاءات مختلفة من مسجد القرويين إلى الشراردة فظهر المهراز بفاس وأصول الدين بتطوان وكلية اللغة بمراكش وكلية الشريعة بأكادير.
 
إن السؤال المطروح هو هل مفهوم الجامعة ينطبق اليوم على ابن يوسف الثانوية ؟ وهل كانت دار البارود في يوم من الأيام بنية من بنى التعليم العالي ؟
 
لقد زالت الجامعة اليوسفية منذ زمان، من يوم ما اقتطع منها تعليمها العالي بشعبتيه الأدبية والشرعية ومن ثم تراجع هذا الاسم وتقلص ليستقر في التعليم الثانوي الذي ظل مستواه يتراجع إلى أن انتهى اليوم إلى ملجأ إنقاذ يلجه معظم من تردت معدلاته وانحطت، وسدت في وجهه أبواب الثانوي الآخر بجميع شعبه. ولم يبق أسم الجامعة كمؤسسة يدور إلا باعتبار ما كان على ألسنة جيل الثلاثينيات والأربعينيات وردح من الخمسينيات ولهم الحق في الاعتزاز بالانتماء إلى تلك الجامعة والتشبت بها وسيظل ذلك الجيل يحلم بجمالية جامعته اليوسفية التي قضى فيها جزء من شبابه وقد يطالب بذلك الذي يأتي ولا يأتي


Commentaires (0)
1. كريم في 10/10/2015 15:06
هكذا تم لانتقال من جامع ابن يوسف بمراكش إلى دار البارود و بعدها تم نقل ثانوية ابن يوسف المعروفة بدار البارود الى عش بلارج و ربما مستفبلا سوف يتم نقلها الى جانب قنطرة تانسيفت. والله أعلم.
تعليق جديد


المراكشية أول صحيفة اخبارية باللغة العربية في المغرب © 2005-2015